🔍 أدى المقرر الأممي الخاص المعني بالحق في مياه الشّرب وفي خدمات الصّرف الصّحي زيارة إلى بلادنا في المدة الفارطة بين 18 و29 جويلية 2022. على إثر هذه الزيارة قدم ندوة صحفية تلاها تقرير أولي سمي “بيان نهاية مهمة وهو بيان منشور بموقع الأمم المتحدة على الرابط التالي:
EndofVisitStatement-Tunisia_July2022_AR.pdf (ohchr.org) https://tinyurl.com/yunexuv5
🔍 ويعتبر هذا البيان تقريرا أوليا في انتظار صدور تقرير نهائي ضمن الدورة القادمة لمجلس حقوق الانسان في سبتمبر من سنة 2023.
🔍 في المقابل سارع وزير الفلاحة إلى عقد جلسة عمل مع نائبة الممثلة المقيمة لمنظمة للأمم المتحدة بتونس لتبليغها بأن ما صرّح به المقرر الخاص للأمم المتّحدة من معطيات وأرقام يحتوي على “بعض المغالطات الفنية والمعطيات المجانبة للصواب”. كما عقد الوزير يوم الثلاثاء 02 أوت 2022 نقطة إعلامية “حول متابعة الوضعية المائية الحالية”، ذهبت في نفس الاتجاه.
🔍 مرصد رقابة، الذي يخصص جزء من جهده واهتمامه لمتابعة حوكمة التصرف في المياه ومنها المياه الصالحة للشراب، سبق ان نشر دراسة متعلقة بالقروض الخارجية التي أبرمتها الدولة التونسية في قطاع المياه، للفترة الممتدة من سنة 2011 الى 2021، ويواصل متابعته لقطاع المياه من خلال تسليط الضوء أهم عناصر التقرير الدولي المتعلقة بالماء الصالح للشراب ومقارنتها مع التقارير والمعطيات المحلية.
1- بين التقرير أولا الخلل الرئيسي في سياسة الدولة حيث إن “الأولوية الفعلية لاستخدام المياه ممنوحة للصناعة والري على حساب مياه الشرب”. وكأمثلة على ذلك:
-يتم استغلال موارد الشمال إلى أقصى المستويات “استجابة إلى الحاجيات المتزايدة للري عبر التنقيب عن المياه الجوفية دون رقابة في غياب العدادات وحفر آبار غير قانونية”.
-“في منطقة جفارة من ولاية قابس، وكنتيجة للاستخدام الهائل للتدفقات في المعالجة الصناعية للفوسفات منذ السبعينات، تم استنفاذ طبقة المياه الجوفية”.
-تعاني واحة سقدود القريبة من النشاط المنجمي بالرديف من انقطاع للمياه منذ سنوات بسبب الحالة السيئة للقنوات ونقص ضغط المياه حيث “تخلى ثلاثة أرباع السكان عن بيوتهم وغادروا المجتمع المحلي بالواحة”. -“تعاني طبقات المياه الجوفية الساحلية من عمليات التملح بسبب التسرب البحري”.
-لاحظ المقرر الأممي، بخصوص المجتمعات الريفية، انتشار “الاستغلال المفرط لطبقات المياه الجوفية في الري من قبل كبار المستثمرين الذين يتمتعون برخص الحفر والضخ دون رقابة، في المقابل يتم رفض منح رخص مماثلة للمجتمعات المحلية الريفية”.
في المقابل كرر الوزير خلال النقطة الإعلامية، أنّ النّقص الحاصل في الموارد المائية، والذي تسبب في انقطاع المياه في بعض المناطق خلال الذروة الصيفيّة، يعود إلى ما شهدته بلادنا من نقص في تساقطات الأمطار لمدّة السبع سنوات الأخيرة جراء التّغيّرات المناخيّة”، في حين أن تقارير عدة، اطلع عليها المرصد، تؤكد ما ذهب إليه المقرر الدولي، حيث أن شح الموارد المائية لا يمكن أن يكون تعلة لحجب سوء التصرف وضعف الحوكمة. حيث تستنزف الفلاحة ما يفوق 80% من مجموع الموارد المائية على حساب مياه الشرب ودون استراتيجية واضحة.
على سبيل المثال، أقر التقرير السنوي الصادر عن وزارة الفلاحة حول قطاع المياه لسنة 2020، بأن السياسة الفلاحية والسياسة المائية يقع إعدادهما بصفة منفصلة وغير مترابطة، وحتى إن وجدت برامج وتطبيقات نظرية تقيم الترابط بين عناصر الغذاء و استدامة الموارد الطبيعية، ومنها الماء، إلا أن ذلك لا يؤخذ بعين الإعتبار في السياسات و الممارسة، فارتفاع الطلب على التغذية يجب أن تتم تلبيته بالتوازي مع استدامة المياه وذلك بإعادة النظر في الأولويات بالاعتماد مثلا على مفهوم تصدير المياه الافتراضية (يهم ذلك مواد مثل الفراولة، الدلاع، معجون الطماطم…) حيث يتم ذلك على حساب الزراعات الاستراتيجية للأمن الغذائي وفي استنزاف للموارد المائية. يذكر في هذا الصدد أن المجتمع المدني لم يفلح في فرض إدراج مفاهيم “المياه الافتراضية” و”البصمة المائية” ضمن مشروع مجلة المياه لكي يقع اعتمادها كمؤشرات في سياسات الاقتصاد في الماء وتنمية الموارد المائية عبر معرفة الحجم الكلي للمياه العذبة المستخدمة بصفة مباشرة أو غير مباشرة لإنتاج المواد الاستهلاكية.
كما يذكر أن المدير العام للموارد المائية صرح في ندوة للمعهد العربي للأبحاث ودراسة السياسات أن المعدل العام لاستغلال المائدة المائية الجوفية بلغ 126%. وفاق في بعض الجهات 300%. وذكر بالضرر الحاصل في نابل من زراعة الطماطم والفراز حيث زادت نسبة ملوحة الماء. إضافة إلى ما يحصل حاليا في الرقاب حيث تسبب الاستغلال المفرط للمائدة المائية في تسرب ماء السبخة وزيادة نسبة
الملوحة.
2- لنقطة الثانية التي تناولها بيان المقرر الأممي، تتعلق بجودة المياه وهي نقطة سعى الوزير لتفنيدها بالقول: “إن الشركة الوطنيّة لاستغلال وتوزيع المياه تقوم بالمراقبة اليومية للمياه الموزعة بكامل تراب الجمهورية عبر التحاليل البكتريولوجية لما يقارب 53 ألف عينة سنويا عن طريق مصالح الشركة و 35 ألف عينة عن طريق وزارة الصحة حيث أثبتت التحاليل أن نسبة العينات المطابقة بلغت %97,2 “.
مقابل ذلك كشف التقرير الأولي للمقرر الأممي أن المعايير التونسية تزداد سوء عاما بعد عام من حيث المعدل السنوي لعدم الامتثال البكتريولوجي وعدم الامتثال الفيزيائي-الكيميائي مع تقادم شبكات التزويد وسوء حالتها، إضافة إلى تزايد تلوث طبقات المياه بسبب نقص الصرف الصحي للمياه المستعملة كما لا تتجاوز نسبة مياه الصرف الصحي المعالجة بتونس 38%. مما جعل المواطنين يعتبرونها “غير صالحة للشراب وغالبا معكرة وأحيانا ذات رائحة كريهة”.
ونذكر في هذا الصدد، وفقا للدراسات التي اطلع عليها المرصد، أن خبراء تونسيين أشاروا إلى غياب الشفافية فيما يخص جودة المياه في تونس حيث لا تنشر المعلومات التي تخص جودة المياه أو نسبة الملوحة في مياه السدود مثلا.
وإن أول مؤشر على غياب جودة مياه الشرب، رغم مطابقتها للمعايير التونسية، هو هروب المواطن إلى المياه المعلبة رغم تناقص المقدرة الشرائية، حيث يحتل التونسي الترتيب الرابع عالميا في استهلاك المياه المعدنية بمعدل 225 لتر للفرد في السنة، حسب موقع الديوان الوطني للمياه المعدنية والاستشفاء.
كما إن المنظمة العالمية للصحة كانت تعتمد سابقا حدا أقصى للملوحة يقدرب 1غ في اللتر وهو نفس المقدار المعتمد حاليا تقريبا في عديد الدراسات بينما يقدر في تونس ب 2 غ في اللتر. مما يعني أننا لو اعتمدنا المعايير العالمية لتم اعتبار أغلب مياه الحنفية في تونس سيئة أو غير مقبولة.
في الختام يكفي أن نشير لمؤشر وحيد يبين إشكالية سوء الحوكمة والتصرف وبطلان تعلة نقص الموارد المالية لتحسين البنية التحية وجودة المياه وضمان الحق في الماء الصالح للشراب، حيث قدر حجم استهلاك القروض الخارجية في مجال المياه ما يقارب 21.60 %وهذه النسبة مرتبطة بالتأخر في إنجاز المشاريع وتجاوز حجم القروض للقدرة على الإنجاز حسب تقرير قطاع المياه لوزارة الفلاحة لسنة 2020.